الجمعة، 10 أغسطس 2012

طيزناباذ



طيزناباذ ، مدينة شهيرة من اقدم مدن العرب في الجاهلية . وهي بين الكوفة والقادسية على حافة طريق الحج ، بينها وبين القادسية ميل . وكان يظن ان اثارها طمست ولم يبق لها اثر يذكر بعد ان جر الزمان عليها ذيله فعفى ما كان قد بقي من اطلالها .

وفي سنة 1913 م- 1331 هـ ، زار هذه الاطلال الباحث ابراهيم حلمي افندي مرسل هيئة مجلة لغة العرب ، وكتب عن رحلته بقوله :

كان مسيرنا الى طعيريزات عن طريق قضاء " ابو صخير " ، فاشرفنا عليها بعد ان قطعنا قراب 9 كيلو مترا . واهم الشواخص القائمة هناك هي تلول ورواب يتراوح ارتفاعها بين 15 و 25 مترا ، وعلى جوانب تلك التلول اثار ابنية قديمة العهد ، وتمتد التلول الى نحو كيلومترين تبتدئ من موضع اسمه المصعاد[1]  وتتقدم الى ما يقرب من الخورنق .

وبين هاتيك التلول والهضاب ابنية قد شيدت في عصر الجاهلية وقد عقد بعضها عقدا محكما قد غارت به الارض حتى كادت تبتلعه عن اخره ، ولا يظهر منه الا اثر بناء السقف ومعداته الطاباق الصلب ، وقد شد بعضه الى بعض بالجص القوي وطلي بالبورق .

قال رفيقي الاعرابي : هذا البناء كان سردابا بعيد الغور وقد دخله والدي قبل 30 سنة ولما خرج منه كاد يغشى عليه ، وهو لم يخرج منه الا لانه احس بسلب قواه ولهذا لم يتمكن من رؤية شيء . وبين هاتيك الربوات اثار اسس ابنية بارزة للعيان قد هدمها الاعراب ، واستلوا حجارتها واحدا بعد الواحد ونقلوها الى اراضيهم ليبنوا بها دورا يتحصنون فيها يسمونها قلاعا ، ولم يبق من ارتفاع هذه الابنية الا متر ونصف ، واكثرها بهيئة دعائمم مفتولة ، ومحيط اكثر هذه الاساطين يتراوح بين المترين وثلاثة امتار .

وقد ذكر لي دليلي الاعرابي نقلا عن اجداده ان هذه الانقاض كانت قبل نحو نصف قرن دورا فسيحة الافناء والجنبات ، فنقضها اهل البادية انتفاعا باجرها ، وقد مسحنا هذه الابنية الباقية فوجدنا طولها قراب 35 مترا وعرضها زهاء 28 مترا على شكل مستطيل .

وفي شمال هذه الدوارس بئر مهجورة بين يديها حوض من الرخام مستطيل ويبلغ طوله نحو مترين في عرض متر ، والبئر مملوءة ترابا ، ولا يرى من عمقها سوى مترين ونصف وهي مطوية بالطاباق الحسن ، وعلى بعد ما يقارب 50 مترا من غربي هذا البئر قبر قد ابتلعته الارض ولا يرى منه الا مقدار 20 سنتمترا . وهناك بناء معقود طوله متران ونصف وعرضه متران قوسي الشكل وليس عليه كتابة تدلنا على صاحبه وتشير الى عهده .

وهناك اقوال في باني هذه الاثار كلها لا يقوم عليها دليل بعضدها ، والراي الوجيه الذي [2]

يعضده الدليل انها من بناء الضيزن الذي سابور ذو الاكتاف[3] بين سنة 326 و 328 للميلاد وسياتي .

وحدة الاسمين ( طعيريزات ) و ( طيزناباذ ) ومرادفاتهما

لاتعرف اليوم طيزناباذ باسمها هذا القديم المشهور . اما الاسم الذي يدور على الالسنة فهو طعيريزات ، وما هذه اللفظة الا تصحيف طيزناباذ وذلك ان العوا استثقلوا للفظة الدخيلة الوزن ولتركيب وبدلوها بكلمة تقرب منها صوتا ويسهل عليهم حفها ويفهمها جميعهم ، وذلك ان طعيريزات جمع طعيريزة مصغر طعروزة ، والطعروزة عندهم او لتعروة او التعرعوزة تصحيف لترعوزي وهو لقثاء بلسان سواد اهل العراق .[4]

اما اهل النجف ان شئت فقل ايضا اصحاب لقوافل التي تردد بين العجارة ( الحيرة ) والنجف فانهم يسمون هذه التلول المار وصفها باسم " ام فيس " او " م طربوش " اي ذات الطربوش ، وذلك لان في اعلى تلك الروابي تلا في اعلاه تراب قائم بصورة دائرة جصصة الخارج ، توهم لناظر ليها انها طربوش و فيس ، وان سالت بعض ابناء لنجف عن طعيريزات وعن موقعها فلا يفهمون شيئا من هذا السؤال ، لانهم يجهلون هذا الاسم ويعرفون له اسما اخر ، فيجب ان يعاد على اسماع لمخاطب لمرادفات كلها ليعرف منها ما قد الفه سمعه .[5]

طيزناباذ القديمة

تقدم القول عن موقع اطلال طيزناباذ في الزمن لحالي . واراد الباحثون ممن اشتهروا بطول الباع وبعد النظر في المسائل لاثرية فيما كان لهذه المدينة لقديمة العهد في القرون الماضية من الاثار الخطيرة المؤيدة لحدودها والناطقة بخطورة شانها هذا ، لان بعدها عن القادسية وتوسطها حافة طريق الحجاج من البراهين التي لا تحتمل لنقض ، هذا فضلا عما رايناه هناك من الدوارس ولاطلال التي اثبتنا وصفها في رسالتنا السابقة . بقي علينا هنا ان ناتي على ما كان لها في القرون الخالية ولعصور لغابرة ن لعز والؤدد وما بلغته من لعمران والتقدم ، ذلك مع لالماع الى ما قاله شعراء العرب فيها ، ودوين نبذ صغيرة من تاريخها لمتفرق ايدي سبأ في بطون الكتب معدين في ذلك على اصدق الكتب التاريخية وصح الروايات واوثق المصادر ، وعلى ذلك نقول :

مؤسس طيزناباذ ونبذ من اخباره

لا يختلف اثنان في ان مؤسس طيزناباذ هو الضيزن احد ملوك العرب ابن معاوية ابن العبيد السليحي ، واسم سليح عمر بن طريف بن عمران بن الحاف بن قضاعة .[6]

وقال للبي : الضيزن معاوية بن الاحرام بن سعد بن سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة .[7]

وقد اختلف في نسبه وهو المعروف عند لجرامقة ب " الساطرون " ، ضيزناباذ منسوبة اليه ، وهي مركبة من كلمتين الاولى " ضيزن " وهو اسم هذا الامير والثانية " آباذ " وهي كلمة فارسية معناها " لعمارة " اي " عمارة الضيزن " وكانت العرب تتلفظ بها بالضاد ، لا انه لما غلبت لفارسية ضرتها العربية في هذه الارجاء وكانت الفارسية خالية من الضاد تكلموا بها بالطاء فاشتهرت بها .

وكان الضيزن ملكا من ملوك لعرب المعاصرين لسابور ذي الاكتاف لك الفرس ، وكان ذا هيبة ووقار وسطوة تخشى باسه قبائل العرب وملوكها وكانوا يهادنونه ويسالمونه خوفا من بطشه وهربا من سيطرته ، وكان قد ملك الجزيرة الى الشام واخضعها لسلطانه ، ومما يشهد على ذلك التاريخ .

فان سابور عدو العرب لما سمع بما وصل اليه احد ملوكهم من العز والسطوة آل على نفسه ان يذله فسار الى بلاد الجزيرة حتى وصل " الحضر " كان الضيزن كثير الجنود مهادنا للروم ومحيزا اليهم ، يغير رجاله على العراق والسواد ، فكانت في نس سابور عليه ، فلما نزل " الحضر " تحصن الضيزن فاقام عليه سابور شهرا لا يجد الى فتحه سبيلا ولا يتاتى له في دخوله حيلة ، فنظرت " النضيرة " بنت الضيزن يوما وقد اشرفت على الحصن فهوته واعجبها جماله وكان من اجمل الناس ومدهم قامة ،

فارسلت اليه ان انت ضمنت لي ان تتزوجني وتفضلني على نسائك دللتك على فتح هذا الحصن ، فضمن لها ذلك ، فارسلت اليه ايت " الثرثار " وهو في نهر اعلى الحصن فانثر فيه تبنا ثم تبعه فانظر اليه اين يدخل فادخل الرجال منه فان ذلك المكان يفضي الى الحصن ، فعل سابور ذلك فلم يشعر اهل الحصن الا وصحاب سابور في الحصن ، وقد عمدت النضيرة فسقت اباها الخمر حتى اسكرته طمعا في تزويج سابور اياها ، وامر سابور بهدم لحصن بعد ان قتل الضيزن ن وكان ذلك بين سنة 326 و 328 بعد الميلاد ، وقد اكثر الشعراء من ذكر الضيزن وحصنه وخيانة ابنته النضيرة وزوال ملكه .

تصحيف الكتاب لاسمها

" طيزناباذ " بفتح الطاء المهملة وسكون الياء بعدها زاء معجمة مفتوحة يليها نون وبعدها الف ثم باء يليها الف ثم ذال معجمة ، كذا ضبطها ابن خرداذبه والطبري وابن الاثير ، وقد صحفها غيرهم تصحيفا مشينا ، وضبطوها بكسر الطاء كما نبه عليه ياقوت الحموي .[8]

والافصح الفتح تقريبا للاسم من اصله المفتوح الاول على رواية جميع اللغويين ، ولعل النساخ هم الذين صحفوها ، لانها كلمة اعجمية ، واذا اردنا ان ، نتتبع كل التصحيفات التي وردت في هذا الصدد يطول بنا الكلام .

ذكرها في مؤلفات العرب

لم تكن طيزناباذ مدينة خاملة الذكر بل كانت مدينة شهيرة عريقة في القدم ، والذي ذاع صيتها فطبق الخافقين طيب هوائها ، وحسن مناخها ، وجودة شرابها حتى انه كان يوصف كالقطربلي ، ولهذا كانت ملوك الفرس الاقدمين ، وامراء المسلمين من بعدهم يتخذونها دار نزهة ومصيفا يقضون فيها ايام الفراغ في اللهو واللعب والتمتع بالملذات ،

وكانت في الزمن الخالي ذات اشجار قنواء ، ونخيل حسناء ، ورياض غناء ، وجنائن فيحاء ، تخرقها الانهار من كل البقاع تحمل اليها من القرات .

وقد ورد ذكرها في اشعار العرب ودواوينهم فوصفوها وصفا دقيقا ، وكانت اثارها قد عفت منذ عهد ياقوت الحموي المتوفى سنة 626 هـ ، اذ يقول في معجمه : وهي الان خراب لم يبق بها الا اثر قباب يسمونها " قباب ابي نؤاس " ولاهل الخلاعة فيها اخبار يطول ذكرها .

قال ابو نؤاس يذكرها :

قالوا تنسك بعد الحج قلت لهم             ارجو الاله واخشى طيزناباذا

اخشى قضيب كرم ان ينازعني            فضل الخطام وان اسرعت اغذاذا

فان سلمت وما نفسي على ثقة            من السلامة لم اسلم ببغداذا

ما ابعد النسك من قلب تقسمه             قطربل فقرى بنا فكلواذا[9]

قال علي بت يحيى : حدثني محمد بن عبيد الله الكاتب ، قال : قدمت من مكة فلما صرت الى طيزناباذ ذكرت قول ابي نؤاس ، حيث قال :

بطيزناباذ كرم ما مررت به             الا تعجبت ممن يشرب الماء

ان الشراب اذا ما كان من عنب         داء واي لبيب يشرب الداء

فهتف بي هاتف اسمع صوته ولا اراه ، فقال :

وفي الجحيم حميم ما تجرعه           خلق فابقى له في البطن امعاء[10]

تاريخ وقايعها وسقوطها

لم نقع على تاريخ بناء هذه المدينة ، ولكن يمكننا ان نقول : ان التواريخ اثبتت ان سابور ذا الاكتاف[11] قتل الضيزن ما بين سنة 326 و 328 بعد الميلاد ، فاذا فرضنا انها تاسست قبل هذه الحادثة باقل من نصف قرن فتكون قد بنيت قبل ستة عشر قرنا ، وكانت طيزناباذ في ذلك العهد احدى المدن الفخيمة الجليلة القدر وما زالت كذلك حتى الفتح الاسلامي ، وكان الفرس قد عرفوا حسن موقعها الحربي والسياسي ، ولهذا اتخذها رستم قائد الفرس الكبير في حرب القادسية مباءة لعسكره ، ولما اندحر الفرس في تلك الحرب ، وتشتت شملهم وسقطت بايدي المسلمين سنة 15 هـ - 636 م مع ما سقط من مدن الفرس وحواضرهم اخذت منذ ذلك الحين تسير نحو التاخر . وفي زمان خلافة عثمان بن عفان اقطعت الاشعث بن قيس الكندي ، وكان لمحمد بن الاشعث فيها قصر فخيم على عهد الدولة الاموية ، وبقيت كذلك وهي تقارع الدهر والدهر يقارعها ، تارة تغلبه واخرى يغلبها ، حتى ادركت في اواخر عمرها اوائل الدولة العباسية ، فتوالت عليها المصائب في اواسط الدولة العباسية ، وما زالت في نزاع واحتضار حتى فاضت نفسها واصبحت اثرا بعد عين في القرن الرابع للهجرة ، فعبث يد الزمان برسومها ولم يبق منها اليوم الا تلك الاطلال الدارسةوالاثار الطامسة التي اشرنا اليها في النبذة السابقة ، ومع ذلك فان تلك الانقاض تنطبق بما كان لها في العهد العهيد من الشان الخطير والعمران الذي ليس له نظير .[12]

طيزناباذ في الاثر

روى الشهيد الاول محمد بن مكي ، عن ابن ابي قرة ، باسناده ، عن اسحاق بن عمار ، قال : لقيت ابا عبد الله عليه السلام بالقادسية عند قدومه على ابي العباس ، فاقبل حتى انتهينا الى طيزناباذ ، فاذا نحن برجل على ساقية يصلي وذلك عند ارتفاع النهار ، فوقف عليه ابو عبد الله عليه السلام وقال : يا عبد الله أي شيء تصلي ؟ . فقال : صلاة الليل فاتتني اقضيها بالنهار . فقال : " يا معتب حط رحلك حتى نتغذى مع الذي يقضي صلاة الليل " . فقلت : جعلت فداك اتروي فيه شيئا ؟ . فقال : حدثني ابي ، عن ابائه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله : ان الله يباهي بالعبد يقضي صلاة الليل بالنهار ، يقول : يا ملائكتي انظروا الى عبدي يقضي ما لم افترضه عليه اشهد كم اني قد غفرت له .[13]




[1] - " المصعاد " على بعد مرحلة من النجف . ارضه كلسية ، وفيه اثار ابنية قديمة العهد جليلة الوضع كلها من الطاباق الكبير . وقد قيل في سبب تسميته بهذا الاسم ان القادم من الحيرة الى النجف عن طريق البحر لا يزال في صعود دائم ، ومنها اسمه . وكنا نمر على طعيريزات عند رجوعنا من بساتيننا

في الجعارة ( الحيرة ) عن طريق بحر النجف ، فتجتاز المصعاد ثم الظهر . وكانت يومئذ الروابي والمرتفعات الاثرية المعروفة لدى السواد الاعظم ب " طعيريزات " ظاهرة للعيان على يمين الطريق مطلة على البحر .

[3] - كذا في المصدر ، والصواب انه سابور الجنود بن اردشير ، وليس بذي الاكتاف ، لان سابور ذا الاكتاف هو سابور بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور الجنود صاحب هذه القصة .

[4] - كذا في المصدر ، والذي اعتقده ان تسمية طعيريزات بهذا الاسم لا ربط لها بهذا النوع من القثاء ، ولا مناسبة بين التسميتين سوى التشابه اللفظي في المفردات لاغير ، فلا يصح الاشتقاق .

[5] - مجلة لغة العرب : الجزء 8 ، السنة 2 ، ص 321 – 326 .

[6] - لاحظ : فتوح البلدان : 2/ 348 .

[7] - لاحظ : معجم البلدان : 4/ 54 .

[8] - لاحظ : معجم البلدان : 4/ 54 .

[9] - قطربل وكلوذاى : قريتان ، الاولى في شمال بغداد ، والثانية في جنوبها . (معجم البلدان : 4/ 371) .

[10] - لاحظ : معجم البلدان : 4/ 55 .

[11] - هو سابور الجنود بن اردشير ، وليس بذي الاكتاف ، كما اشرنا لذلك انفا فلاحظ .

[12] - مجلة لغة العرب : الجزء 9 ، السنة 2 ، ص 376 – 381 .

[13] - الذكرى : 137 .
منقول

0 التعليقات:

إرسال تعليق

هل تعلم أن الماء ذلك المخلوق العجيب له شعور وله انفعال ولديه قدرة على التعبير وأنه يتأثر بذكر اسم الله عليه بشكل عجيب وذلك بتغير الشكل البلوري لجزيئاته د.زغلول النجار free counters